تمـهـيد

لـكـتــاب المواضـيـع الـثـقـافـيـة

للكاتب عبد الله خمّار

 

المواضيع الثقافـيـة: تعريفها ووظيفتها

تعريف الثقافة:

" الثقافة بالمعنى الخاص هي تنمية بعض الملكات العقلية أو تسوية بعض الوظائف البدنية، ومنها تثقيف العقل وتثقيف البدن، ومنها الثقافة الرياضية والثقافة الأدبية والفلسفية"

المعجم الفلسفي (1) د جميل صليبا ص 378

ولكننا كثيرا ما نخلط بين مفهوم الثقافة بمعناها العام وبين "الحضارة" للعلاقة الوثيقة بينهما، فإن كانت الحضارة تمثل التقدم العلمي والتكنولوجي في مجتمع ما فالثقافة تمثل منظومة القيم الروحية والاجتماعية والأدبية والفنية لهذا المجتمع. وإذا كان العالم في زمن العولمة يتجه نحو حضارة علمية وتكنولوجية واحدة فلا يمكن الحديث عن ثقافة واحدة يمكن أن تسود العالم بل لا بد من المحافظة على تعدد الثقافات وخصوصياتها.

وسنعتمد المعنى الحديث الواسع لمفهوم "الثقافة" الذي أخذت به معظم الدول التي خصّصت لها وزارات خاصة، ونعني به مظاهر التقدم الفكري والأدبي والفني وهو يشمل بهذا معنى الحضارة.

اهتمام المواضيع الثقافية بالوجدان والعقل

إذا كانت المواضيع الاجتماعية تعالج مواضيع معاش الإنسان وحياته المهنية والاجتماعية والمصاعب والمشاكل الجسمية والنفسية التي يواجهها والآفات والأخطار التي تهدّده، وإذا كانت المواضيع السياسية تهتم بالمواضيع المتعلقة بحقوقه الأساسية في الحياة والحريّة والأمن، وكلاهما تدعوان إلى الاهتمام براحته الجسمية والنفسية، وجعل روحه حرّة طليقة من كل قيد ليتفرّغ للإبداع وترقية نفسه ومجتمعه وبناء الحضارة، فإنّ المواضيع الثقافية تعالج هذا الجانب الأخير فتهتم بوجدانه وعقله فهما اللذان يبنيان الحضارة بالفن الخلاق والفكر المبدع.

ارتباط المواضيع الثقافية بالمواضيع الاجتماعية والسياسية

والمواضيع الثقافية في الرواية مرتبطة ارتباطا عضويا بالمواضيع الاجتماعية والسياسية، كارتباط العقل والعاطفة بالرّوح والجسم. ولم يكتف الإنسان منذ بدء الخليقة بإشباع غرائزه، وتلبية حاجات جسمه، فأخذ يبحث عن معنى لوجوده، وعن علاقة هذا العالم بالعالم الآخر، وهل الإنسان مُخَيَّر أم مُسَيَّر؟ وغيرها من الأمور الفكرية الفلسفية الغيبية، كما بدأ يعبر عن عواطفه بالرسم والشعر والنحت والموسيقى، ثم تطوّر فأخذ يفكر في القيم التي تضمن التوازن في المجتمع والعلاقات بين أفراده كما تطوّر تعبيره الفني، وأصبحت لديه ذخيرة من المعارف التقنية والعلمية التي تتعلق بزراعته وحرفه وحساباته، وأصبح من الضروري نقلها للأجيال من خلال منظومة تشمل إلى جانب هذه المعارف بعض القيم الروحية والدّينية والفنيّة. والمواضيع الثقافية تعالج مواضيع الفكر والفن إلى جانب المواضيع التربوية.

المرجعيات الحضاريّة:

إذا شبّهنا مرجعيات حضارة بموسوعة تشمل مفردات حضارتها من حيث اللغة والدّين والأدب والفن والتاريخ والعمران والعلوم والطب والزراعة والصناعة ... الخ، نجد أنَّ قسماً من هذه الموسوعة في الجزائر مثلا مدوَّن في الكتب العلمية والأدبية والفنيّة، وقسماً منها شفوي يتناقله النّاس أباً عن جد كالحكايات والأمثال الشعبية والأغاني، وقسماً منها يمارسونه في حياتهم اليومية كأداء فروضهم الدينية أو في صورة عادات وتقاليد في المواسم والأعياد والزواج والختان وفي التداوي بالأعشاب، وقسماً منها مبني ظاهر للعيان في العمارات المزابية والطارقية في الصحراء وفي العمارات القبائلية والشاوية في أعلى الجبال وفي أحياء القصبة ذات الطابع العثماني، وفي القصور والمساجد العربية الإسلامية ذات الطراز المشرقي والمغربي وفي الآثار الرومانية وفي العمائر والكنائس الأوروبية، والنقوش والرسوم على جدرانها، ممّا يظهر تعدد المرجعيات وتنوّعها، واللغة التي يكتب بها الكاتب والريشة التي يبدع بها الرسام والمخيلة التي يصمّم فيها المهندس البناء محمّلة بكل هذا الزخم الرّوحي والتاريخي والحضاري للأمّة.

هذه الموسوعة يعود إليها الطبيب والعالم اللغوي والأديب والفقيه فيستمدون منها ويثرونها. وحين تتخلف أمّة من الأمم عن ركب الحضارة وتقف فيها عجلة التطور والتقدم تبدأ بالاعتماد على مرجعيات الأمم الأخرى العلمية والتّقنية ولكنها تحافظ على مرجعياتها الأدبية والفنية وتسعى إلى تطويرها متأثّرة بروح العصر، أمّا المرجعيات الرّوحية والتاريخية التي كوّنت هذه الأمّة فلا تفرط فيها ولا تستبدلها. والثقافة التي لا تتطور مع العصر تساهم في تخلف الأمّة.

وحين يكتب الروائي يستمد شواهده وإشاراته ورموزه من مرجعيات أمّته، إذا كانت روايته موجّهة إليها، ومن الطبيعي أن يطّلع المثقف على مرجعيات الأمم الأخرى، ويورد في كتاباته ما يشير إليها كأن يستشهد ببعض رموز الأساطير الإغريقية، والتعبيرات والمفاهيم  التي تشير إليها كعقدة أوديب أو صخرة سيزيف أو نار بروموثيوس، أو ببعض شخصيات شكسبير أو تعبيراته، أو بعبارات مستوحاة من التاريخ السياسي الفرنسي كمفاهيم اليمين واليسار والوسط  أو التاريخ الإسباني  كمصطلح الطابور الخامس التي أصبحت مرجعيات عالمية. أمّا من يغرق في استعمال مرجعيات الأمم الأخرى ويهمل مرجعيات أمّته فستنقطع الصلة بينه وبين قارئه، ولا بد له أن يسهم في تثقيف القارئ، بمرجعيات الأمم الأخرى، فيلجأ إلى الهوامش لشرح بعض الرّموز والتعبيرات الغريبة عنه لأنّها ليست من مرجعياته.

المرجعيات الثقافية:

من الطبيعي أن يخاطب الكاتب القارئ، بلغة يفهمها وبمرجعيات يعرفها، حيث يستشهد الكاتب العربي المسلم مثلا بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، والشعر، والحكم والأمثال المعروفة لدى النّاس، والحوادث التاريخية المشهورة ، ولا بأس أنْ يستشهد في حدود معقولة بمرجعيات مجتمع آخر، لكيْ يستطيع القارئ أن يهضمها أو يفهمها أو يبحث عنها، لا أن يجهل أو يتجاهل مرجعيات ثقافته وحضارته كلية. ومن أهم المرجعيات التي يستقي منها الكاتب تلك اللغوية والدّينية والأسطورية والتاريخية والأدبية.

المرجعيات الخاصة والمشتركة :

لكل مجتمع مرجعيته الثقافية الوطنية الخاصة التي تنبع من بيئته  ومن أفراحه وأحزانه وكفاحه وعاداته وتقاليده وتجاربه، ومرجعية مشتركة مع جيرانه أو مع من يشاركهم الدّين أو اللّغة أو الاتجاه السياسي. واختلاف المرجعيات يؤدي إلى تعدد الثقافات وغناها كما نجد في الجزائر، ولكن الإنسان في سعيه إلى بناء الحضارات يصل إلى قيم مشتركة، فالإنسان في كل زمان ومكان يطمح إلى الحرية وإلى العدالة والخير والحق والجمال، ويواجه الاستبداد والاستعمار والاستغلال والظلم بكل أشكاله، وهذه القيم هي مشتركة بين النّاس جميعًا مهما تنوعت لغاتهم وأديانهم وأوطانهم.

الثقافة في عصور الانحطاط:

 وفي عصور الانحطاط يتجمد الفقه ويفقد صلته بالعصر فيحارب الأدب والفن ورجال الفكر والثقافة عموماً. ويصبح اتصال رجاله بالنصوص الدينية الفقهية اتصالا سطحيًا وتطبيقهم لها تطبيقا حرفيا بعيدا عن غاياته ومراميه في النهوض بالإنسان، وتصبح العقوبة غاية بدلا من أن تكون وسيلة، ويحل التعصب مكان التسامح والتعذيب بدل الرّحمة، ويرجم المتفقهون الجامدون كل داعية إلى الإصلاح متهمين إيّاه بالإلحاد والزندقة والمروق عن الدّين، كما حدث في عصور الانحطاط في أوروبا بعد سيطرة رجال الكنيسة، وتشكيلهم محاكم التفتيش لمحاكمة المفكرين والعلماء والمصلحين التي نشرت الإرهاب الفكري باسم الدّين. وكما حدث عندنا في العشرية السوداء حين تأثر شباب الإرهابيين ببعض فتاوى الجامدين والمتعصبين ممّن يدعون الفقه، فقتلوا المفكرين والشعراء والأدباء والصحفيين، من النساء والرّجال كما قتلوا الجنود ورجال الأمن من الدرك والشرطة وبقية فئات الشعب. ويبقى النّاس حائرين في حل مشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية التي يخلقها العصر.

ليس هناك أمة تستطيع فرض لغتها ومرجعياتها الثقافية اللغوية، والتكنولوجية والفنيّة على غيرها بالقوّة. ولكن ضعف الأمّة هو الذّي يجعلها تهمل مرجعياتها وتعتمد على مرجعيات الأمم الأخرى.

كان للأوروبيين تراث إغريقي عريق انقطعت الصلة بينهم وبينه قرونًا حتى تعرفوا عليه بواسطة الفيلسوف الإسلامي ابن رشد. وبقيت اللغة الهيروغليفية بالنسبة إلى المصريين الذين تمتلئ آثارهم بنقوشها لغزا حتى جاء العالم الفرنسي شمبليون فحل رموز حجر رشيد وبدأت أسرار اللغة الهيروغليفية تنفتح أمام الباحثين.

العولمة والثقافة:

وإذا كان من الممكن عولمة العلوم والتكنولوجيا لأنها تسير وفق قوانين طبيعية محدّدة لا تتغيّر بتغير الزمان والمكان، فليس من الممكن عولمة الثقافة بتعميم ثقافة أمّة واحدة ومرجعياتها على شعوب المعمورة، ولا بد إذن أن يتّسع صدر العولمة لتعدد الثقافات والمرجعيات الروحية واللغوية والفكرية والأدبية والفنيّة ومد الجسور وإشاعة روح التسامح بينها.        

  لقراءة الفصل التالي انقر هنا: الفصل الأول: دراسة المواضيع الثقافية - الجمال لنجيب محفوظ جزء 1

للاطلاع على فصول الكتاب، انقر هنا: المواضيع الثـقافيّة

للاطلاع على الكتب التعليمية الأخرى للكاتب انقر هنا: كتب أدبية وتربوية